القرطبي
316
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
مواشيهم ترعي بالنهار ، والأغلب عندهم أن من عنده زرع يتعاهده بالنهار ويحفظه عمن أراده ، فجعل حفظ ذلك بالنهار على أهل الزروع ، لأنه وقت التصرف في المعاش ، كما قال الله سبحانه وتعالى : " وجعلنا النهار معاشا " ( 1 ) [ النبأ : 1 1 ] فإذا جاء الليل فقد جاء الوقت الذي يرجع كل شئ إلى موضعه وسكنه ، كما قال الله تعالى : " من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه " ( 2 ) [ القصص : 72 ] وقال : " وجعل الليل سكنا " ( 3 ) [ الانعام : 96 ] ويرد أهل المواشي مواشيهم إلى مواضعهم ليحفظوها ، فإذا فرط صاحب الماشية في ردها إلى منزله ، أو فرط في ضبطها وحبسها عن الانتشار بالليل حتى أتلفت شيئا فعليه ضمان ذلك ، فجرى الحكم على الأوفق الأسمح ، وكان ذلك أرفق بالفريقين وأسهل على الطائفتين ، وأحفظ للمالين ، وقد وضح الصبح لذي عينين ، ولكن لسليم الحاستين ، وأما قول الليث : لا يضمن أكثر من قيمة الماشية ، فقد قال أبو عمر : لا أعلم من أين قال هذا الليث بن سعد ، إلا أن يجعله قياسا على العبد الجاني لا يفتك بأكثر من قيمته ولا يلزم سيده في جنايته أكثر من قيمته ، وهذا ضعيف الوجه ، كذا قال في " التمهيد " وقال في " الاستذكار " : فخالف الحديث في ( العجماء جرحها جبار ) وخالف ناقة البراء ، وقد تقدمه إلى ذلك طائفة من العلماء منهم عطاء . قال ابن جريج قلت لعطاء : الحرث الماشية ليلا أو نهارا ؟ قال : يضمن صاحبها ويغرم . قلت : كان عليه حظرا أو لم يكن ؟ قال نعم ! يغرم . قلت : ما يغرم ؟ قال : قيمة ما أكل حماره ودابته وماشيته . وقال معمر عن ابن شبرمة : يقوم الزرع على حاله التي أصيب عليها دراهم . وروي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما : يضمن رب الماشية ليلا أو نهارا ، من طرق لا تصح . السادسة عشرة - قال مالك : ويقوم الزرع الذي أفسدت المواشي بالليل على الرجاء والخوف . قال : والحوائط التي تحرس والتي لا تحرس ، والمحظر عليها وغير المحظر سواء ، يغرم أهلها ما أصابت بالليل بالغا ما بلغ ، وإن كان أكثر من قيمتها . قال : وإذا انفلتت دابة بالليل فوطئت على رجل نائم لم يغرم صاحبها شيئا ، وإنما هذا في الحائط والزرع والحرث ، ذكره عنه ابن عبد الحكم . وقال ابن القاسم : ما أفسدت الماشية بالليل فهو في مال ربها ،
--> ( 1 ) راجع ج 19 ص 170 . ( 2 ) راجع ج 14 ص 308 . ( 3 ) راجع ج 7 ص 44 .